البلاغة

االشعر والشعراء

لجزء الأول
مقدمة المؤلف
قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة: هذا كتاب ألفته في الشعراء، أخبرت فيه عن الشعراء وأزمانهم، وأقدارهم، وأحوالهم في أشعارهم، وقبائلهم، وأسماء آبائهم، ومن كان يعرف باللقب أو بالكنية منهم. وعما يستحسن من أخبار الرجل ويستجاد من شعره، وما أخذته العلماء عليهم من الغلط والخطاء في ألفاظهم أو معانيهم، وما سبق إليه المتقدمون فأخذه عنهم المتأخرون. وأخبرت فيه عن أقسام الشعر وطبقاته، وعن الوجوه التي يختار الشعر عليها ويستحسن لها إلى غير ذلك مما قدمته في هذا الجزء الأول

.
قال أبو محمد: وكان أكثر قصدي للمشهورين من الشعراء، الذين يعرفهم جل أهل الأدب، والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب، وفي النحو، وفي كتاب الله عز وجل، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأما من خفي اسمه، وقل ذكره، وكسد شعره، وكان لا يعرفه إلا بعض الخواص، فما أقل من ذكرت من هذه الطبقة. إذ كنت لا أعرف منهم إلا القليل، ولا أعرف لذلك القليل أيضاً أخباراً من هذه الطبقة، وإذ كنت أعلم أنه لا حاجة بك إلى أن أسمى لك أسماء لا أدل عليها بخبرٍ أو زمانٍ، أو نسبٍ أو نادرةٍ، أو بيتٍ يستجاد، أو يستغرب.
ولعلك تظن رحمك الله أنه يجب على من ألف مثل كتابنا هذا ألا يدع شاعراً قديماً ولا حديثاً إلا ذكره ودلك عليه، وتقدر أن يكون الشعراء بمنزلة رواة الحديث والأخبار، والملوك والأشراف، الذين يبلغهم الإحصاء، ويجمعهم العدد.
والشعراء المعروفون بالشعر عند عشائرهم وقبائلهم في الجاهلية والإسلام، أكثر من أن يحيط بهم محيطٌ أو يقف من وراءِ عددهم واقفٌ، ولو أنفد عمره في التنقير عنهم، واستفرغ مجهوده في البحث والسؤال. ولا أحسب أحداً من علمائنا استغرق شعر قبيلة حتى لم يفته من تلك القبيلة شاعرٌ إلا عرفه، ولا قصيدةٌ إلا رواها.
حدثنا سهل بن محمد حدثنا الأصمعي، حدثنا كردينُ بن مسمعٍ، قال: جاء فتيانٌ إلى أبي ضمضمٍ بعد العشاء، فقال لهم: ما جاء بكم يا خبثاء؟ قالوا: جئناك نتحدث، قال: كذبتم، ولكن قلتم، كبر الشيخ فنتلعبه عسى أن نأخذ عليه سقطةٌ ! فأنشدهم لمائة شاعرٍ، وقال مرة أخرى، لثمانين شاعراً، كلهم اسمه عمروٌ.
قال الأصمعي: فعددتُ أنا وخلفٌ الأحمر فلم نقدر على ثلاثين.
فهذا ما حفظه أبو ضمضم، ولم يكن بأروى الناس، وما أقرب أن يكون من لا يعرفه من المسمين بهذا الاسم أكثر ممن عرفه.
هذا إلى من سقط شعره من شعراء القبائل، ولم يحمله إلينا العلماء والنقلة.
أخبرنا أبو حاتم حدثنا الأصمعي قال: كان ثلاثةٌ إخوة من بني سعد لم يأتوا الأمصار، فذهب رجزهم، يقال لهم منذرٌ ونذير ومنتذرٌ، ويقال إن قصيدة رؤبة التي أولها:
وقَاتِم الْأعْمَاق خَاوِى الُمخْتَرَقْ … ……..لِمُنْتذِر
قال أبو محمد: ولم أعرض في كتابي هذا لمن كان غلب عليه غير الشعر. فقد رأينا بعض من ألف في هذا الفن كتاباً يذكر في الشعراء من لا يعرف بالشعر ولم يقل منه إلا الشذ اليسير، كابن شبرمة القاضي، وسليمان بن قتة التيمي المحدث. ولو قصدنا لذكر مثل هؤلاء في الشعر لذكرنا أكثر الناس، لأنه قلَّ أحدٌ له أدنى مسكة من أدب. وله أدنى حظ من طبعٍ، إلا وقد قال من الشعر شيئاً. ولاحتجنا أن نذكر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلة التابعين، وقوماً كثيراً من حملة العلم، ومن الخلفاء والأشراف، ونجعلهم في طبقات الشعراء.
ولم أسلك فيما ذكرته من شعر كلٌ شاعر مختاراً له، سبيل من في قلد، أو استحسن باستحسان غيره. ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه، وإلى المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره. بل نظرت بعين العدل على الفريقين، وأعطيت كلا حظه، ووفرتُ عليه حقه.
فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله، ويضعه في متخيره، ويرذل الشعر الرصين، ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه، أو أنه رأى قائله

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s